عباس حسن
117
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
إلى هنا انتهى الكلام على الأشياء التي يصلح كل واحد منها أن يكون نائب فاعل إذا لم يوجد غيره في الجملة ، فإذا وجد أكثر من واحد صالح للإنابة لم يجز أن ينوب عن الفاعل إلا واحد فقط ؛ لأن نائب الفاعل - كالفاعل - لا يتعدد . لكن ما الأحق بالنيابة عند وجود نوعين مختلفين ، صالحين أو أكثر ؟ يميل كثير من النحاة إلى الرأي القائل باختيار المفعول به « 1 » دائما ، ( أي : في كل الحالات ) ؛ ليكون هو النائب ، ويفضلونه على غيره . وهم - مع ذلك - يجيزون ترك الأفضل ؛ ففي مثل : أنشد الشاعر القصيدة إنشادا بارعا في الحفل أمام الحاضرين ، يكون الأفضل عندهم - حين بناء الفعل للمجهول - اختيار المفعول به نائبا ؛ فيقال : أنشدت القصيدة ، إنشادا بارعا ، في الحفل أمام الحاضرين . ولا مانع من ترك الأفضل واختيار غيره ، كما قالوا . والحق أن الرأي السديد الأنسب هو أن نختار من تلك الأنواع ما له الأهمية في إيضاح الغرض ، وإبراز المعنى المراد ، من غير تقيد بأنه مفعول به أو غير مفعول به ، وأنه أوّل أو غير أوّل ، متقدم على البقية أو غير متقدم . ففي مثل : « خطف اللصّ الحقيبة من يد صاحبتها أمام الراكبين في السيارة » - تكون نيابة الظرف : « أمام » أولى من نيابة غيره ؛ فيقال خطف أمام الراكبين في السيارة الحقيبة من يد صاحبتها ؛ لأن أهم شئ في الخبر وأعجبه أن تقع الحادثة أمام الراكبين ، وبحضورهم ؛ وهم جمع كبير يشاهد الحادث فلا يدفعه ، ولا يبالي بهم اللص . . . وقد تكون الأهمية في مثال آخر : للجار والمجرور ؛ نحو : سرق في ديوان الشرطة سلاح جنودها . . . وهكذا « 2 » .
--> ( 1 ) ويبالغون ، فيفضلونه ، ولو كان من نوع المفعول به المنصوب على نزع الخافض . ويترتب على هذا الاختيار بعض صور لها أحكام خاصة ، منها ما سيجئ في « ح » من ص 119 . ( 2 ) وفيما سبق يقول ابن مالك : وقابل من ظرف لو من مصدر * أو حرف جرّ بنيابة حرى يريد : أن اللفظ القابل للنيابة حر ( أي : حقيق وجدير بها ) إذا كان ذلك اللفظ ظرفا أو مصدرا ؛ أو حرف جر . ولعل ابن مالك يريد : أو مجرور الحرف ( فكلمة « قابل » مبتدأ خبره : « حر » وقد حذف التنوين ورجعت الياء عند الوقف ، فصارت « حرى » « من ظرف » جار ومجرور ، -